داخل قفص سيّارة مهملة ملقاة في مقبرة الخردة على حافة مجردة ، يتبادل خلان التعاسة والحرمان الأحاديث على إيقاعات الصيف الذّابلة. منذر يلوك قصة انتظار بطاقة زيارة وعد بها ابن خاله رمضان بعدما استقرّ في بلاد اليونان.
- لو وصلتني البطاقة لجمعت ثمن الرّحلة والعملة المحوّلة في أقرب وقت لأن أمّي تخبّئ لي مبلغا وخالتي وعدتني كما وعدني بعض الأحباب.
قاطعه أحد الخلان :
- لن يرسل لك رمضان إلا الأحلام والأوهام لأن من دخل الجنّة هناك لا يرغب أن يطأها أبناء جلدته.
أردف آخرون :
- دعونا من الخيال ولنفكر في اصطياد بنات فرنسا وإيطاليا في الطريق عندما تتوقّف قافلاتهنّ للرّاحة، نحادثهنّ ونضحكهنّ وربّما يقبلن بنا أصدقاء.
- صاح من بينهم صائح : وقت الفلم قرب ولابدّ من تدبير الدريهمات لاقتناء تذاكر الدّخول لقد قيل لي إنّه من أروع أفلام "جيمس بوند 007"
وقف الجميع وبدأوا يخوضون في مقاييس اختيار الأفلام ، وأسرار اختيار المقاعد في صالون العرض الوحيد ويتنافسون في ذكر بطولاتهم آناء الفرجة عندما يتعثّر الشريط المعروض أو عندما تنار القاعة بحثا عن مدخّن قد يتسبّب في كارثة، هذا يصفّر والآخر يصرخ وذاك يرسل أصوات حيوانيّة أو بدائية .وما هي إلا ساعة حتى كان هذا النّفر من الشبّان يستنفذ كل حيله في تحصيل ثمن التذاكر من أمهاتهم وجدّاتهم وأصحابهم.
**********
تناهى إلى كل البيوت خبر وصول بطاقة الزّيارة لمنذر من ابن خاله رمضان، وتحدّث أهل الحارة في قيم الرّجولة والشهامة وعدّد الجميع خصال رمضان منذ ولدته أمّه. هنّأ الخلان صاحبهم وعرضوا عليه خدماتهم كلّ حسب طاقته ثم انفرد كل واحد بمنذر يشرح العلاقة الصادقة التي تربطه به محذّرا إيّاه من نفاق الآخرين . زوّده جميعهم بعناوينهم راجين أن يسير فيهم سيرة ابن خاله رمضان وأن يبعث لهم ببطاقات زيارة حتى ينتقلوا مثله من جحيم عيشهم النّكد إلى نعيم الحياة في البلاد الأروبية حتى وإن كانت اليونان التي لا يعدّها أغلب الطامحين جزءا من أروبا .
سافر منذر وتكدّست النّسوة في حوش والدته يواسينها ويخفّفن عنها وحشة الفراق وعذابات الغربة التي دقّت طبولها منذ ساعات الفجر الأولى …
بدّد صراخ أحد الصّبية : "رسالة… رسالة … رسالة… " ما علا وجه الأمّ من ألوان الكآبة والخوف وشقت سحنتها ابتسامة ملأها اهتزاز صدرها وتجنيح روحها ضياء وطمأنينة. تنادى القرّاء وأظهروا أحدث ما عندهم من علوم الفكّ والفهم والشرح واتفقوا في كون منذر تغمّده الله برحمته ورزقه من حيث لا يحتسب امرأة يونانية وأنّه سيعقد عليها القران بعد أسبوع وعليه فإنّ عائلة منذر سوف تطلّق الفقر وستكون والدته من أعيان الحيّ.
**********
قالت الأم محدّثة زوّارها من بعد عودة منذر للمرّة السّادسة : "إنّ ولدي يفكر في الزواج من امرأة عربية كان يلتقي بها كلما عاد من غربته". خاصّة وأنه صرّح لها بأنّ قرينته في بلاد اليونان لا تستطيع المجيء معه إلى أهله ويتعذّر عليها ذلك لكثرة انشغالاتها .
لم تكن تبدو على منذر أثناء عودته من عام لآخرآثار الإرتياح بل إنّه يتراءى مهموما منزعجا مخلدا للفرار داخل أكوام من الضحكات المختنقة التي لا ترتفع معها أيّة نبرة لحرارة الحياة الآدمية.
دخل منذر المطعم وطلب أكلة شعبيّة وفيما هو يستعدّ للأكل دخل شرطيّ سائلا
- من منكم منذر ؟
- أنا منذر.. ما الأمر ؟
- إنهض واتبعني .. لا وقت لديك.
نهض منذر تاركا صاحب المطعم يسبح في أمواج من التعجّب والسّخط . أردفه الشرطيّ على عجلته النّاريّة ونطّ به في معابر المدينة المقفّعة حتى وصل حيّهم ثم توقّف أمام منزلهم وصاح به :
- أسرع غيّر هندامك واحمل جوازك واتبعني
خرجت الأم لاهثة حائرة فقال لها الشرطي : لقد توفّيت زوجته في اليونان
سكتت الأم أوّلا ثم استرجعت و أضافت "الله أكبر" وتوارت داخل حوشها.
كاد منذر يتهاوى من زلازل الضحك التي انفجرت في كيانه عندما أعلمته أمّه أن زوجته الرّومية قضت نحبها . كانت تبسمل وتحوقل وتستلطف محاولة تهدئة ابنها الذي استمرّت معه حملة الضحك والشهقات والقهقهات والإنحناء خوفا على تمزّق أحشائه…
**********
عندما أقبل الممرّض ليحقنه حقنات مهدّئة كعادته كان منذر هائما. لا تقع بنات وعيه على صورة إلا وأفسدت تضاريسها أنواء النفس الملتهبة ببرد الجدران ووخز الإبر .. حاصر الصورة ملايين المحاولات ولكن البدلات البيض ومفاتيح الأقفاص وص






















